الخطيب الشربيني
260
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وحدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن خراش عن حذيفة بن اليمان قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم « اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر » « 1 » حدثنا سفيان بن عيينة عن مسعر بن كدام عن قيس بن أسلم عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب : أنه أمر بقتل الزنبور . وهذا الجواب في غاية الحسن أفتى بقتل الزنبور في الإحرام ، وبين أنه يقتدى فيه بعمر ، وأنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أمر بالاقتداء به ، وأنّ الله تعالى أمر بقبول ما يقوله صلى اللّه عليه وسلم ، فجواز قتله من الكتاب والسنة . وسئل عكرمة عن أمّهات الأولاد هل هنّ أحرار ؟ فقال : في سورة النساء في قوله تعالى : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [ النساء : 59 ] وفي صحيح مسلم وغيره عن علقمة عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم « لعن الله الواشمات والمستوشمات ، والمتنمصات ، والمتفلجات للحسن المغيرات لخلق الله تعالى » « 2 » فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها : أم يعقوب فجاءت فقالت : بلغني أنك لعنت كيت وكيت ، فقال وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، وهو في كتاب الله تعالى فقالت : لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول فقال : لئن كنت قرأتيه فقد وجدتيه أما قرأت وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا قالت : بلى ، قال : فإنه قد نهى عنه الحديث . فائدة : الوشم : هو غرز العضو من الإنسان بالإبرة ، ثم يحشى بالكحل . والمستوشمة ، هي التي تطلب أن يفعل بها ذلك ، والنامصة : هي التي تنتف الشعر من الوجه ، والمتفلجة : هي التي تتكلف تفريج ما بين ثناياها بصناعة ، وقيل : تتفلج في مشيها في كل شيء منهي عنه . وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة ، وورش بالفتح وبين اللفظين ، والباقون بالفتح والهمزة ممدودة بلا خلاف لأنها بمعنى الإعطاء وَاتَّقُوا اللَّهَ أي : واجعلوا لكم بطاعة رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وقاية من عذاب الملك الأعظم المحيط علما وقدرة ، وعلل ذلك بقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ أي : الذي له الجلال والإكرام على الإطلاق شَدِيدُ الْعِقابِ أي : العذاب الواقع بعد الذنب . قال البقاعي ومن زعم أن شيئا مما في هذه السورة نسخ بشيء مما في سورة الأنفال فقد أخطأ ، لأنّ الأنفال نزلت في بدر ، وهي قبل هذه بمدّة . وقوله تعالى : لِلْفُقَراءِ أي : الذين كان الإنسان منهم يعصب الحجر على بطنه من الجوع ويتخذ الحفرة في الشتاء لتقيه البرد وما له دثار غيرها بدل من لذي القربى ، وما عطف عليه قاله الزمخشري . والذي منع الإبدال من لله وللرّسول والمعطوف عليهما وإن كان المعنى لرسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، لأنّ الله تعالى أخرج رسوله صلى اللّه عليه وسلم من الفقراء في قوله تعالى : وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ولأنه
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي حديث 3662 ، 3805 ، وابن ماجة حديث 97 ، وأحمد في المسند 5 / 382 ، 385 ، 399 ، 401 ، 402 ، والبيهقي في السنن الكبرى 5 / 12 ، 8 / 153 . ( 2 ) أخرجه البخاري في اللباس حديث 5931 ، ومسلم في اللباس حديث 2125 ، والترمذي في اللباس حديث 1759 .